حب في الزنزانة.. تفاصيل اللحظات الأخيرة لإعدام ياسر المكاوي

يرويها – أسعد العباسي

لم يكن أحمد يتصوّر أبداً أنه سيلقى حتفه على مطعم في صباح يوم من أيام شهر ديسمبر من العام 2004 على مرأى من الناس، وعلى يد ابن حيّهم ياسر المكاوي على إثر شجار كان لسبب تافه، ولكنها المشيئة والأقدار.

في ذلك الصباح، كان أحمد يستعد للخروج من منزله إلى مطعم شهير للأسماك. كان الجو صحواً يميل للبرودة، وخطته في ذلك الصباح أن يصل مبكراً لذلك المطعم حتى يتفادى الزحام، لأنّ رواد ذلك المطعم يتكالبون عليه بكثرة لجودة طهيه للأسماك.

كانت أسرته تفضل دائماً أن تتناول أسماك ذلك المطعم في مثل هذه العطلات، خاصة والدة أحمد الذي كان باراً بها. أما هي فقد كانت تعتبره كل حياتها حتى أنها لم تتزوج بعدما ترملت منذ سنين عديدة بسبب حادث سير أودى بحياة زوجها، ولم تنجب منه سوى أحمد، فبقيا بعد ذلك وحيدين في المنزل الذي تركه لهما زوجها الراحل، إلا أن تزوج أحمد بجارتهم إحسان، وأتى بها للمنزل فتنافستا على قلبه منافسة شرسة، لأنّ أمينة أم أحمد تحب أن تفرض سيطرتها على الجميع، خاصة على ابنها أحمد الذي لم يزل في نظرها ذلك الطفل، وعانى أحمد كثيراً من الخلافات التي كانت تنشأ بين والدته وزوجته الحسناء إحسان، وهي خلافات لم تخف حدّتها إلّا بعد أن أنجبت إحسان طفلين شغلن أمينة، وعلى الرغم من ذلك، لم تفقد اهتمامها بابنها أحمد بطريقة فيها تدخّل سافر في شؤون الزوجة.

تتدخل في ملبسه ومأكله ومشربه. حتى (الجلابية) البيضاء التي خرج أحمد وهو يرتديها نحو المطعم الذي قُتل فيه، أشارت لها به أمه!

كان أحمد يعرف أن حب أمه له هو نقطة ضعفها، بل هو محور حياتها، لذا كان يجاملها على حساب زوجته التي كان يوصيها دائماً بالصبر والتحمل.

خرج أحمد في ذلك الصباح ليقف على طرف الشارع العام منتظراً سيارة أجرة لتقله إلى المطعم، وفجأة وبهدوء، وقفت إلى جواره سيارة ابن الحي، ياسر المكاوي الذي حيّاه وهو يسدل زجاج نافذة سيارته وقال له:

‏- أكيد ماشي تجيب السمك يا أبو حميد، أركب أنا ذاتي ماشي المطعم.

‏- شكرا ليك يا ياسر. انت أمشي، أنا منتظر لي زول.

انطلقت بعد ذلك سيارة ياسر الفارهة، بينما أخذ أحمد يشيّعها بنظره. لم يكن في ذلك الوقت أحمد ينتظر أحداً كما ادّعى لياسر، بل لأنه يكن كراهية لياسر وعائلته الثرية دون سبب واضح. ربما كان ذلك لسيطرة والده على أمور الحي الإدارية. وعندما غابت سيارة ياسر في الطريق كان أحمد يقول لنفسه:

  • يعني عايز تستفزنا بى عربيتك دي؟!

الحقيقة، أن أحمد لم يقترب من ياسر من قبل حتى يفهمه، فقد كان ياسر شاباً ناجحاً طيب القلب، عكس والده الثري المتكبّر.

عندما وصل أحمد إلى المطعم، وجد أن الزحام قد سبقه إليه، ورأى ياسر ينتظر دوره في الشراء، والكل كان يتحلق حول صاج السمك الكبير، وخلف ياسر مباشرة، كان يقف أحمد. وأخيراً تمكّن ياسر من شراء ما أراد أن يشتريه من أسماك، فحمل غنيمته بعجالة واهمال، فصدم أحمد الذي كان يقف خلفه بقوة، فترنح أحمد وسقط على الأرض رغم ضخامة جسده وتبعثرت الأسماك على جسده، وعندما رآه ياسر حاول أن يساعده على النهوض معتذراً، ولكن أحمد صفعه صفعة قوية فارتمى أرضاً إلى جوار إحدى طاولات المطعم، ولم يكتف أحمد بذلك، بل نهض واعتلاه بجسده الضخم وأخذ يخنقه ولم يستطع أحد من الحاضرين أن ينقذ رقبة ياسر من قبضة أحمد، وشعر ياسر إنّه مُشرفٌ على الهلاك، فمد يده فوق الطاولة التي كان بها مدية ولم يتوان من غرسها في جسد أحمد الذي ارتخت قبضته، ثم أردفه ياسر بأخرى نافذة في الصدر، ولم يمض وقت طويل من إحالته للمستشفى حتى لفظ أحمد أنفاسه الأخيرة.

تم تقديم ياسر للمحاكمة، وحُكم عليه بالإعدام شنقاً، وقالت المحكمة أن ياسر كان من الممكن أن يستفيد من استثناء دفع المعركة المفاجئة، لو لم يقم بطعن المجني عليه للمرة الثانية.

كان وقع مقتل أحمد كبيراً على قلب أمه لدرجة القسوة، فأصرت إصرارا شديداً على القصاص ورفضت أي عزاء في ابنها إلّا بعد إعدام ياسر، واحتفظت بـ (جلابية) ابنها القتيل المخروقة بمدية ياسر في خزانة ملابسها لعامين كاملين بدمائها التي جفت عليها، ولم تنجح محاولات جرها للعفو رغم أن الدية التي عرضها عليها والد ياسر، كانت مبالغ طائلة فوق ما يتوقعه أحد.

كانت إحسان أرملة أحمد، مغلوبة على أمرها، فهي تتفهم الظروف التي أحاطت بمقتل زوجها وأن الأمر يستحق العفو، ولكنها لا تستطيع أن تخالف رأي نسيبتها.

كان ياسر في زنزانته يشعر بالندم، فهو قد تسبب في يُتم طفلين بريئين، وعندما علم بعد شهور، أنّ إحسان ترغب في العفو، فكر جاداً بأن يعرض عليها الزواج ويربّي معها طفلي المرحوم، ليستحيل هذا العرض الذي نقله والد ياسر إلى أرملة أحمد ووالدته التي رفضت، إلى قصة حب عنيفة وصادقة بين ياسر وإحسان، استمرت لأكثر من عام.

قصة شهد بها (حوش الزيارة) في السجن الاتحادي، الذي تكررت فيها زيارة إحسان لياسر، والمكالمات الليلية من داخل الزنزانة التي كان ياسر يخبئ فيها موبايله بعناية.

‎ ‎كانت إحسان تقول له بأسى وحزن، إنها لا تستطيع أن تعفو، لأن والدها أمرها ألا تعفو إلا بعد موافقة والدة المرحوم، ولكنها ما تزال مُتعنّتة. واستمرت قصة الحب حتى وضع لها الجلاد نهايتها المأساوية عندما أقتيد ياسر إلى غرفة الإعدام، حيث كان ينتظره فيها القاضي ومدير السجن والطبيب. وكم كان عجيباً أن تكون أمينة والدة أحمد معهم داخل غرفة الإعدام، وربما تعتبر أول امرأة في تاريخ السودان تشهد مراسم الإعدام شنقاً، والأعجب من ذلك، أنها كانت ترتدي فوق ثوبها، جلابية ابنها القتيل أحمد، التي كان يرتديها ساعة مقتله، وأثر لون الدم الباهت واضح عليها، مع وضوح أثر ضربتي السكين.

وعندما شُنق ياسر، قالت لهم، أرفعوه إليّ حتى أتأكد من موته!

بعدها، قالت للجميع: أنا مستعدة لتقبل العزاء في إبني!

 عليكما الرحمة، يا أحمد وياسر.        ‏‎

شارك الموضوع :

شاهد أيضاً

الطب العدلي بالخرطوم يشترط لاستلام الجثامين

الخرطوم – حكايات وجهت هيئة الطب العدلي بوزارة الصحة الخرطوم، الإثنين، بعدم استلام أي جثمان …

اترك تعليقاً

طالع التعليقات المميزة في النسخة الورقية*