33% من نساء الدنيا ضحايا للعنف.. نماذج من العنف الذكوري ضد السودانيات

تقرير –  أسعد الطيب العباسي

عانت المرأة في التاريخ البشري والواقع المعاصر، وقائع مؤلمة من ظلمٍ وبخسٍ وعنفٍ واعتداء وانتهاك لكرامتها، ما دعا أهل البصائر للنهوض لإبدال هذه الصور القاتمى، إلى مشرقة ووقائع كريمة، تناسب المرأة ودورها المشهود في المجتمع، مُستصحبين نظرة الإسلام إلى المرأة، كونها تعلب دوراً أسرياً في الأساس: الأم والأخت والزوجة وشريكة الرجل في تحمّل مسؤوليات الحياة.

ولمّا كانت قضية العنف ضد المرأة قديمة قدم التاريخ، ظلّت الجهود تستمر لمقاومة هذا العنف، ما دفع بنا لإستقصاء أساليب هذا العنف ومعرفة أسبابه وسبل القضاء عليه وذلك من خلال هذا التقرير.


ما معنى العنف ضد المرأة؟!

عن معنى مصطلح العنف ضد المرأة، تقول الكاتبة أم مزمل: “هو مصطلح يستخدم بشكل عام للإشارة إلى أية  أفعال عنيفة تمارس بشكل متعمد أو بشكل إستثنائي ويستند إلى جندر الضحية، وقد عرفته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه أي إعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة ويشمل التهديد أو الإعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات سواء في إطار الحياة العامة أو الخاصة”.

وتضيف أم مزمل: “يعتقد بعض الخبراء، أنّ تاريخ العنف ضد المرأة حين كان يتم اعتبارهن تابعات أو ملكية خاصة بالرجل. وفي سنة 1870 أوقفت محاكم الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بقانون ينص بأن للزوج حق معاقبة زوجته المخطئة، وفي المملكة المتحدة، تم إلغاء قانون بهذا المعني في العام 1890. ويظهر في مختلف قطاعات المجتمع بغض النظر عن الطبقة والدين والثقافة، فلا يمنع حدوثه تقدم البلد أو إنخفاض نموه تحضره أو تخلفه. وجاء في تقرير الأمم المتحدة عن إنتشاره: كل 1 من 3 نساء تعرضت لنوع من العنف وغالباً ما تتم هذه الإنتهاكات بواسطة إنسان يعرفنه”.

زواج الطفلات.. صورة قاتمة للعنف

حسب التعريفات السابقة لمفهوم العنف، فإن المرأة في السودان تواجهه منذ مولدها، فلا يزال إنجاب الإناث في مجتمعنا يقابل بالامتعاض، فتنشأ الأنثي كمخلوق غير مرغوب فيه، ما يكرس لمفهوم تميز الأخ علي أخته الأمر الذي يعطيه – حسب العرف والتقاليد – الحق في التسلط عليها واضطهادها حتي وإن فاقته عمراً وعلماً.

وتظل المرأة الأم، تحمل وزر إنجاب الإناث دون الذكور للدرجة التي تهدد إستقرارها الأسري. ويتوالى مسلسل العنف ضد الأنثي الطفلة بإخضاعها لأقسي الممارسات وأكثرها إنتهاكاً لإنسانيتها، أعني عادة الختان بالرغم من أنها قلّت في كثير من أوساط مجتمعنا، إلا إنه يلزم الكثير من الجهد والتوعية لإجتثاثها من جذورها وهو ما تحقق أخيراً بصدور المادة (141) التي تجّرم ختان الإناث في القانون الجنائي السوداني.

لو استطاعت المرأة السودانية تخطي المتاريس، وواصلت تعليمها وحازت أعلي الدرجات والمراكز، غالباً ما تواجه بالتقليل من مقدراتها وقدراتها، حتي وإن صارت فأساً، فلن تستطيع كسر الرأس، فقط لأنها امرأة!

من أسباب العنف.. استسلام المرأة للعنف!

 من أسباب العنف ضد المرأة، المرأة نفسها!  هي التي تتقبل للعنف ولا تقاومه. وهناك أسباب ثقافية كالجهل وما يتبعه من عدم معرفة كيفية التعامل مع الآخر واحترامه. وللتربية أثر كبير في ذلك، فمن نشأ علي أسس تربوية عنيفة، إما أن تتأصل في نفسه رغبة في العنف، أو أن ينشأ ضعيفاً مهزوز الشخصية. وفي المستقبل، يحاول تعويض هذا الضعف بالعنف.

 بعض العادات والتقاليد، تجذّر فكرة تميز الذكر عن الأنثي، ما يعطيه الحق في الهيمنة وممارسة العنف ضد الأنثي منذ الصغر وتعويدها الرضوخ له.

 الضغوط العامة والمشكلات كضعف الخدمات، السكن، البطالة، الإزدحام قد تدفع الفرد للعنف ضد من هو أضعف منه.

الخلل الإقتصادي كصعوبة الحصول على لقمة العيش قد يؤدى الي العنف ضد المرأه خاصة في حالة إعالة الذكر لها أو إذا لم يكن في إستطاعتها إعالة نفسها. ولهذا العنف آثار تنعكس علي المرأة في شكل أضرار نفسية وجسدية، منها الشعور بالخوف وعدم الأمان ما يمنعها من التمتع بحقوقها كإنسان. أيضاً الشعور بالذنب وفقدان الثقة بالنفس وإحترام الذات.

قوة المرأة.. من قوّة القانون

عن علاج ظاهرة العنف ضد المرأة وسبل القضاء عليها، ترى أم مزمل، ان ظاهرة العنف ضد المرأة قديمة وشديدة الإتساع، منذ أن كانت المرأة تباع وتشتري وتوأد في التراب وهي حية، فلا نتوقع الحل آنياً وبفترة قصيرة، بل لابد أن يكون تدريجياً وجذرياً.

 ابتداءً، لابد من التوعية الإجتماعية في المجتمع الأنثوي والعام، وتعريفها بحقوقها والدفاع عنها وإيصال صوت مظلوميتها إلى العالم وعبر وسائل الإعلام كافة. بالاضفة للتوعية في المجتمع  الذكوري، بنشر ثقافة إحترام وتقدير المرأة وتربية الأجيال علي ذلك. فيما ينحصر دور الإعلام في تقديم التوعية وعدم تدعيم العنف. والعلاج الحاسم للظاهرة يكون بتفعيل وإنفاذ القوانين التي تجرم ممارسة العنف ضد المرأة.

لكبح العنف.. خلّي بالك من دماغك!

تقول اختصاصية الطب النفسي الدكتورة ناهد محمد الحسن، إنّ العنف سلوك متعلم، ففي فترة الستينيات دار نقاش حول العنف، وهل هو سلوك متعلّم أم سلوك وراثي؟!

 وحسم النقاش لصالح رؤية أن العنف سلوك متعلم. لأنه ثبت علمياً وجود مراكز في الدماغ تعتبر مسؤولة عن العدوان تحت القشرة الدماغية وتعرف بالحوفي والوطاء، وهذه البُنى ليست مسؤولة عن العدوان لدى الإنسان فحسب، إنما هي كذلك لدى الحيوان الذي يحسن إستغلالها لأغراض البقاء، غير أنها في الإنسان تخضع للكبح والتثبيط من مراكز أخرى في الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والتعلم والتحريض المعزز للبيئة وهذا يعني أن ثقافة الفرد وتعليمه يؤثران تأثيرا كبيرا في عدوانيته من عدمها وبالتالي نقول إن العنف سلوك متعلم.

 وتقول الدكتورة ناهد: “بالنظر إلى ثقافتنا المجتمعية السودانية، نجدها ثقافة أبوية صميمة تعتد بمعاني الرجولة ولا تحفل كثيراً بغيرها، وهي غير بعيدة عن العنف في مجتمع صار أسفل هرمه يتكون من النساء والأطفال.

 ويمكننا أن نقول، إن العنف المجتمعي يحدث عبر ثالوث لا يحدث فيه العنف فقط من الرجال للنساء، ولكن يوجد أيضاً عنف الرجال للرجال بقوة الجسد أو المال أو مبررات ثقافة العنف التي تربّى عليها الرجل، فداخل منظومة الغبن والقهر المجتمعي هذه، تكون النساء والأطفال أكثر الفئات عرضة لتمرير العنف عليهم والذي يتخذ أشكالاً عديدة، منها العنف الجسدي والجنسي واللغوي والعاطفي والمادي وغيرها، وهؤلاء الأشخاص وفقاً لسيكولوجيا الإنسان المقهور، يتطلب التوازن. أمّا التماهي مع هذا العنف الواقع عليه، فينسحب ويسوء تقديره لذاته أو يمرر هذا العنف لآخرين يجدهم في أسفل الهرم المجتمعي وهم النساء والأطفال.

من ناحية أخرى، نجد أن الفقر والعطالة، بيئات حاضنة للجريمة تزدهر في غياب التشريعات القانونية الرادعة فلا بد من القضاء على مثل هذه البيئات أو تخفيفها على الأقل، ولابد من الإنتباه إلى وجود الكبت الجنسي الناجم عن عدم رعاية المجتمع للرغبة الجنسية بصورة صحيحة عبر قنواتها الشرعية. وبالتالي، تعبر الغرائز العدوانية والجنسية بصورة مضطربة وهذا ما يفسر لنا تزايد حالات الإعتداء على الأطفال في مجتمعنا”.

هل العنف لغة التخاطب الأخيرة الممكنة؟!

لم نجد بأساً في أن نورد بعض ما وقعنا عليه مما هو منشور بمجلة (بشرى) حول قضية العنف ضد المرأة، فقد جاء بالمجلة المشار إليها:

“مع مطلع القرن الواحد والعشرين، ومع كل ما حققه الإنسان من التقدم الهائل في الأصعدة والمجالات الحياتية، ومع ما يعيشه إنسان اليوم في عصر الحداثة والعولمة، لم يستطع هذا التقدم أن يهدي إلى البشرية جمعاء، السلام والرفق والمحبة والإلفة. إذ تبقى هناك الكثير من مظاهر الهمجية والجاهلية الحاكمة في العصور الغابرة، عالقة ومترسخة في النفس البشرية، وكأنها تأبى أن تنفض ذلك عنها، رغم تغير الرداء الذي ترتديه.

وظاهرة العنف عامة، هي من هذا النوع الذي يحمل هذا الطابع، إذ إنها تهدد المنجزات التي حققها الإنسان خلال السنوات الماضية، والأسوأ من ذلك كله، عندما يتعدى ويمتد هذا العنف إلى الفئات الضعيفة في المجتمع، كالمرأة مثلاً.

 العنف يعني الأخذ بالشدة والقوة، أو هو سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية يصدر عن طرف بهدف استغلال واخضاع طرف آخر في اطار علاقة قوة غير متكافئة، ما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية. وحسب هذا التعريف، فإن العنف يشمل السب والشتم والضرب والقتل والاعتداء الذي يأتي من طرف رجل أو مؤسسة أو نظام أو حتى من طرف امرأة من أجل إخضاع المرأة والتسلط عليها.

هناك من يعتقد أن العنف هو لغة التخاطب الأخيرة الممكنة استعمالها مع الآخرين، حين يحس المرء بالعجز عن ايصال صوته بوسائل الحوار العادي، ولكنه يأتي مع المرأة اللغة الأولى للتخاطب معها كما يستخدمه البعض، وكأنّ الآخر لا يملك لغة أخرى لاستعمالها، ليجعل من هذا العنف كابوساً يخيّم على وجودها، ليشل حركتها وطاقاتها، ويجعلها أطلالاً من الكآبة والحزن والخضوع.

أين يكمن علاج العنف ضد المرأة؟!

 سؤال طرحته مجلة (بشرى)، وأجابت بأن ذلك يتم بالرجوع إلى القانون الإلهي والشريعة الإسلامية التي تعطي للمرأة كامل حقوقها وعزتها وكرامتها، كما وتقدّم لها الحماية والحصانة الكاملة. قال تعالى:

(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف). وقال العلي القدير: (وعاشروهن بالمعروف). وتنظر الشريعة الإسلامية للمرأة كإنسانة لها ما للرجل وعليها ما عليه، وأنها مساوية له في جميع الأحكام إلا ما خرج بالدليل، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً).

وأخيرا..

 مشوار علاج العنف لازال في بداياته حتى تتغير العقلية والرؤية العامة تجاه المرأة، وتصبح المرأة إنسانا ذو كيان، وذو اعتبار ثابت لايمكن في أي وقت التنازل عن حقوقه والتضحية عن مكتسباته. وإن أهم التحديات التي تواجه وقاية المرأة من العنف وتهددها هو الفرق بين ما يقال وبين ما يمارس، فهناك كلام كثير يقال عن المرأة، لكن ما يمارس يختلف ويناقض ما يقال، فمن المهم إذن أن يتطابق القول والممارسة في معاملة المرأة.

شارك الموضوع :

شاهد أيضاً

في بيتنا كتاب! توقيعات على هامش (حدَثَ في لاس فيغاس)

رصد – حكايات شكّلت رشة العطر الأولى التي تلاطمت من بين (ضفّتي) المجموعة القصصية الباهرة …

اترك تعليقاً

طالع التعليقات المميزة في النسخة الورقية*