شوقي بدري يكتب – نانسي عجاج وأخريات.. (قامن صدريا.. من دونكي أندريا)

الحكّاي
ـــــــــــــــــــــ

سألني أحد القرّاء، عن أغنية (أندريا) التي ملكت فؤاد المستمعين في السودان قبل سنوات، وأنا منهم.

 طلب مني في رسالته، أن أؤكد له ما سمعه بأن (أندريا) المعني في الأغنية، شاب من جنوب السودان، كان يعمل راعياً في كردفان. ومبلغ علمي، أن أشهر من حمل اسم (اندريا) في السودان، كان وليم اندريا في سبعينيات القرن الماضي، وهو فنان موهوب، وعازف جيتار لا يشق له غبار، وصاحب فرقة موسيقية لم تعمر طويلاً، إضافة لكونه أشهر لاعبي كرة السلة في السودان، وفازت البلاد بقيادته، بالبطولة العربية لكرة السلة. 

ــــــــــــــــــــــ

لم يمهل الموت وليم اندريا الذي كان في طريقه ليصبح أشهر نجوم الفن والرياضة في السودان، إذ سرعان ما لقي حتفه في حوادث ما عرف بـ(المرتزقة)، أو الغزو الليبي، وفي هذه تروي الروايات، وليس من متّسع لذكرها هنا.

أحيل القراء، لتعقيب ثر، من الأستاذ مضر محمود، وله طول باع في الفن وتاريخه، عرض لدراسة علمية أنجزها الباحث أحمد التجاني، المتخصص في تراث كردفان.

قال الأستاذ مضر:

(شغلت أغنية أندريا التي غنتها المطربة نانسي عجاج، العالمين، وكثيرون يطلبون إماطة اللثام عن شخصية أندريا العجيب هذا، وقبل أن نفعل، علينا تحديد هوية الأغنية أولاً، ومن ثم الكشف عن أندريا.

الأغنية تندرج تحت إيقاع الجراري، وهي إحدى أغاني قبيلة (الحَمر)، وهي من أثرى القبائل الكردفانية تراثياً، بل هي القبيلة السودانية الوحيدة التي تمتلك خمسة إيقاعات غنائية، كل إيقاع يختلف عن الآخر، ونساء القبيلة يتميّزن بمقدرتهن الفائقة على نَظم الأشعار وصياغة المعاني الغزلية العذبة، دون أن يُدخلهِن ذلك في صِدام مع أعراف وتقاليد المجتمع.

بالنسبة لأندريا هذا، يجب أن نُشير الى أن هذا الإسم ورد في العديد من أُغنيات الجراري لنساء الحَمر، ولا يقتصر علي هذه الأُغنية فقط، فأحياناً يرد (أندريا) وأحياناً يرد (لاندريا).

وفي تفسير ذلك، يذهب الأستاذ أحمد التجاني، الباحث في التراث الكردفاني قائلاً:

(أندريا، اسم لكاتب دونكي من منطقة أبيي، تم تعيينه في دونكي الغبشان بدار حامد، واسمه الكامل أندريا لور، وهو تقريباً من أسرة دينق مجوك).

أنا أرجح رأي التجاني هذا، – والحديث للأستاذ مضر – لأنني وجدث له أثراً في إحدى أغاني الحَمر المشهورة، التي جاء فيها:

(شربن قامن صدريا/ من دونكي أندريا).

وهنالك العديد من أغنيات نساء الحَمر التي يرد فيها إسم أندريا (رمزاً)، للمحبوب.

(أندريا) الذي أوردته المطربة نانسي عجاج، وتود الشاعرة أن (ترحل معاهو خُماس)، تقول أشهر الروايات إن اسمه الحقيقي هو (المرضي)، وهو أحد أشهر فرسان الهمباتة الذين فتنت بهم بعض نساء دار حَمر، وهو من قرية تسمّى (مركب) شرق مدينة النهود، ويقيم في (خُماس)، والأغنية لم تنظمها امرأه واحدة بل امرأتان، قالت الأولى:

(صابون اللّيف/ لـ أب عقلاً ما ضعيف/ البرعي ليك يقيف).

وردت عليها الثانية:

(حلاوة القرطاس/ الفي الخشيم تنماص/ كان ما كلام الناس/ بجاور معاك خماس).

وردت الأولى:

(يا الزارعنك في الصريف/ المسقي بلا خريف/ كان ما الصبر تكليف/ من بيتكم ما بقيف).

وهكذا، استمرت (المجادعة) بين الامرأتين، ما أنتج أغنية أندريا التي طبقت شهرتها الآفاق بحنجرة نانسي.

وهنالك ثمة إشارة أخرى، تقول، إن هذه الأغنية كانت من أشهر الأغاني التي يرددها طلاب خور طقت في غابر أيامها).

انتهت رواية الصديق مضر محمود، وأعود للابنة نانسي التي تغني إحدى المقاطع على النحو التالي: (الزارعنك في الصريف بسقيك أنا بلا خريف). والصحيح، ما أورده الباحث أحمد التجاني: (يا الزارعنك في الصريف المسقي بلا خريف).

والصريف هذا، مثل (الجبراكة)، والجبراكة عبارة عن عدة أحواض تزرعها المرأة لإنتاج الخضروات، والمقصود هنا، ليس هو الصريف الذي يعني السور المبني من الأغصان والقش، ولكنه (السريف)، مكان تجمّع الماء، بحيث لا يحتاج الزرع لأن يُسقى، بل هو مسقي فعلاً بلا خريف!

ومن الأغنيات التي كنت أسمعها كثيراً في أم درمان وأنا بعد طفل، أغنية تقول:

(زراعنو فوق الطين/ ساقنو بالمساجين/ منعوني سلام حميدة/ الدفتر فوق راسي/ منعوني سلام حميدة/ لكن القلم ما في/ الهمباتة مرتاحين/ منعوني سلام حميدة/ حارقين قلوب واحدين/ ختوني لي في تكيل/ منعوني سلام حميدة/ وقالوا لي أحاحي الطير).

وهناك أغنية كانت تغنى في شكل ثنائيات، تقول فيها الفتاة:

(يا يّمة خليني/ الخير بناديني/ كان فردة بكسيني/ وكان فرخة بنطيني).

ويأتيها الرد من رفيقتها:

(الفردة بالشريط/ والفرخة بالمعيط).

هل ستحاول أن تفهم شيئاً عزيزي القارئ؟!

وذكر الطيب ميرغني شكاك، في كتابه (حوش بابكر بدري)، كيف كانت أم درمان تغني:

(يا طالعين الجبل وعيني رنّت فيكم/ هاتوا الدواية والقلم نكتب أساميكم).

كثيرة هي كلمات الأغاني التي تتبدل وتتحوّر بعد تناقلها بين الألسن والأجيال، كما في أغنية (اندريا)، ومن قبل استمعت للفنان مصطفى السني وهو يؤدي أغنية فاطمة خميس الشهيرة: (دمعي الاتشتت وغلب اللقاط)، والأغنية أصلاً مناحة قالتها الفنانة والشاعرة والملحنة فاطمة خميس في رثاء والدتها، والأغنية تقول: 

(يا دمعي الاتشتت وغلب اللقّاط/ يا سيدي وسيد ريدي/ أشكي ليك أنا بجروحي/ يا جليس وساكن السور/ ويا بُر ويا أبو البتول).

ما لفت سمعي، أن المطرب مصطفى السني كان يؤدي الأغنية ويقول: (يا جليس وساكن السوق)، بدلاً عن: (ساكن السور).

(جليس) التي عنته المطربة فاطمة خميس في أغنيتها، ليس بمعنى (الصديق)، بل هو زعيم صوفي من أسرة الشيخ الطيب، له (بيان)، أو مدفون في السور. والسور هو الاسم القديم لحي الملازمين بأم درمان، والقبر أو (البيان)، موجود غرب مدرسة أم درمان الصناعية، و(بُر أبو البتول)، كان له قبر تحت أشجار اللبخ بشاطئ النيل، في المكان الذي شيّد فيه البرلمان السوداني الآن.

قصدت من ايراد الأمثلة، بأن اسم (أندريا) ربما انتقل إلى السودان بواحدة من هذه الطرق، ربما.

شارك الموضوع :

شاهد أيضاً

(زين) تصنع وزيراً للاقتصاد الرقمي والريادة

  على امتداد التاريخ الإنساني والوظيفي (الذي عشته)، لمعت أنوارٌ تأبى أن تخبو، لأنها سطعت …

تعليق واحد

  1. د. احمد التجاني ماهل احمد

    التحية والتقدير والاحترام للاخ شوقي بدري على هذا المقال وحسن مقصده في التوثيق وتوسيع ماعون الثقافة السودانية والتاريخ الاجتماعي لتصل لعدد كبير من المتلقيين. بخصوص اندريا لور هو كاتب دونكي فعلا من منطقة ابيي عمل بدونكي الغبشان بدار حامد وصار اسمه اسم الدونكي حتى الآن يعرف بدونكي اندريا وغنن بنات منطقة على إلبل وقالن:
    شربن قامن صدريا أو سدريا من دونكي اندريا
    أما الأغنية التي غنتها الفنانة نانسي شطرت من أغنية للغناية فاطمة بنت دوليب والشهيرة باسم “بلدوسة” والتي أجرى معها الزميل والصديق الصحفي معتز يوسف نجم لقاء عن ذلك ونشره بموقع سودانيزاونلاين. ولكن الاشكالية في الأمر أن الكثير من الكتاب كتبوا عن هذه الأغنية كل واحد بوجهة نظره دون التدقيق من الجهات المعنية في الأغنية من تلك المناطق والتي اعتقد تحتاج اتباع منهج البحث والنقل من المصادر الحقيقية.

اترك تعليقاً

طالع التعليقات المميزة في النسخة الورقية*