من جلب الحبيب إلى تأجيل الشيكات.. تماضر الطاهر تكشف عن (حِجاب الكَمُّون)!

يصنف البعض (الحِجاب)،  كنوع من التمائم التي تحتوي على حروف أو رموز تخاطب الجن أو الشياطين أو الأرواح العلوية والسفلية، وتأمرها أو تطلب منها القيام بعمل مُعيّن لحامله ويُحرم استخدامه.

ويعتبره البعض الآخر، من وسائل الحماية أو المعالجات الممكنة، التي يأتي بواسطتها العون المطلوب لمن يريده.

تختلف درجات الثقة من طالبٍ عونٍ إلى آخر، فيُوجد من يطلب هذا العون لمواجهة خطب ما، عن طريق المناجاة أو (النديهة) من على البعد، ثم يرضى بعد ذلك بأقداره أو بالإشارات التي تأتيه في الرؤى المنامية، ومراقبة أحواله وهي تتبدل إلى الأفضل.

ويوجد من يكتفي في المقابل، بنظرة أو نصيحة أو دعاء، وما أن يضم الشيخ أو الداعي كفوفه، حتى يحس أنّ مطلبه قد تحقق، وتم نيل المُرام بكامله غير منقوصاً.

ونوع آخر، لا يكتفي بالتسليم أبداً، ولا يبارح مقام الطلب إلا بعد أن يدفع (البياض)، ويحمل في يده ما يريد كحُجةِ يركن إليها، ويحتمي بها من خطر قد يصيبه، أو يحد بها تأثير ما أصابه فعلاً، حتى يتعافى منه تماماً.

لا أعرف منشأ الفكرة، ولا أول من كتب الحجاب وطلبه أو لبسه، لكنه فعلٌ موجود في مجتمعنا وموروثاته، وقد تسلسلت عنه الكثير من القصص والحكايات، ثم تنسلت منها خيوطٌ غير منتظمة على أطراف الخرافة، التي ربما يشكل نسيجها ما يشبه الحقيقة.

والتسمية (حِجاب)، للمفرد، وجمعها بالعامية السودانية (حِجبات)، وهي أنواع مختلفة، فمنها ما يتألف من ورق مكتوب، يحتوي على حروف أو أرقام، أو أشكال هندسية أو آيات كاملة، وربما يحتوي على أسماء، أو عبارات يذكر فيها كاتب الحجاب جهة بعينها، وقد يحتوي أيضاً على مواد أخرى، كقطع الأشجار اليابسة والأعشاب، أو أجزاء من أجساد الحيوانات، وربما أنواع من التربة والأحجار وغيرها.

تطور الحجاب مع تطورات العصر لأغراض الزواج وجلب الحبيب والذرية وتوسعة الرزق وتأجيل الشيكات!

تعتبر كتابة (الحجبات)، من المهارات التي تصل إلى محترفيها بالتوارث عن عن وعن، ضمن منظومة عمل متكاملة متنوعة، تتضمن الاستماع للشكوى، والرقية والمعالجة، أو عن طريق الخلافة أو التدرب التدريجي، فيبدأ الكاتب حياته (كصبي مساعد) لشيخ أو (فكي)، يشارك في طي الحجبات أو (لف) الخيط على أطرافها، ثم توصيلها إلى الطالبين، الذين ينتظرون تحضيرها، غالباً، بعيداً عن مكان كتابتها.

وبعد أن تتم إجازة (الصبي) في المعالجة والخط والكتابة، يتحوّل إلى محترف، ثم يستقل بعمله ويستفيد وحده من قيمة (البياض)، وهكذا!

هناك من يرزقهم الرازق عن طريق هذا العمل، دون أن يعنيهم ما تحتوي عليه تلك الحِجبات من خيرٍ مستفيض أو شر مستطير، فهم فقط يعملون على تغطيتها أو (تجليدها) وحفظها من التلف، في أغلفة من القماش السميك، أو الجلد أو الفضة، وقد برعوا في عمليات التغطية والتشكيل والزخرفة.

تتفاوت الحجبات في أشكالها، فمنها المربّع والمستطيل والمكعب والأسطواني، كما تختلف أحجامها باختلاف حجم الورق المكتوب، أو المادة التي يُراد من طالب الحجاب استخدامها بتعليقها على رقبته، أو ربطها في ذراعه أو أي مكان آخر من جسده.

كان طلب (الحجبات) موجود ومنتشر بكثافة بين الجاهلين والمتعلمين على حد سواء، لأغراض مختلفة، مثل الحجب عن السحر أو العين، والحماية من  الضواري وذوات السُموم من العقارب والأفاعٍي.

وتطور الحجاب مع تطورات العصر، فاستخدم لأغراض الزواج وجلب الحبيب وطلب الذرية، كما يتم وضعه (كحراسات) تربط على كفوف الطفل الوليد.

واستخدم في أوساط  التجار لحفظ المال وتوسعة الرزق وتأجيل الشيكات، وعند أهل الرياضة لتحقيق النصر والحماية من الإصابات، وفك وإعادة التسجيل، كما استخدمه العسكر كوقاية من الأسلحة والرصاص، أما أصحاب المناصب بأنواعها، فقد استخدموه للمحافظة على مناصبهم وضمان البقاء على كراسي السلطة.

يعتقد البعض بزوال مفعول الحجاب، إذا تم فتحه والنظر إلى محتواه، أو عند تعرضه للمحو والغسل والإهمال، وقد وردت قصة طريفة في كتاب الطبقات، عن امرأة تدعى (مهيوبة)، عاشت في زمن الشيخ حسن ود حسونة (سيد بغارة)، وقد طلبت منه أن يكتب لها حجاباً حتى تجد المحبة والقبول عند الناس، فكتب لها عبارات بسيطة منغمة، وحدث لها ما أرادت، إلا أن خوفها من تلف المكتوب قادها إلى جلّاد فضولي، فتح الورقة وقرأ المكتوب، وقال لها: إن الشيخ قد سخر منها، فانقطع عنها ما وجدت من قبول ومحبة وحظوة!

وضعت قطاعات كبيرة من المجتمع نفسها موضع (مهيوبة) التي مثلت (سيد الرايحة) الذي يبحث عن ضالته عند الشيوخ، وعند كتاب الأحجبة والتمائم، وصار اللجوء إلى الصالحين وأصحاب الخوارق والقوى الخفية، هو السبيل الأوحد للحصول على الأمنيات العزيزة، مثل النوم والنسيان والشباب الدائم، أو التخلص من بعض العوائق التي لا سبيل إلى الفكاك منها على أرض الواقع مثل الديون والضرة وصاحب العمل والمؤجر.

فهل من كاتب يكتب لنا ما يعيننا على الصبر الجميل، وحسن الظن وطولة البال ولو (حِجاب كمون)؟!

شارك الموضوع :

شاهد أيضاً

(زين) تصنع وزيراً للاقتصاد الرقمي والريادة

  على امتداد التاريخ الإنساني والوظيفي (الذي عشته)، لمعت أنوارٌ تأبى أن تخبو، لأنها سطعت …

اترك تعليقاً

طالع التعليقات المميزة في النسخة الورقية*